أحمد ياسوف
105
دراسات فنيه في القرآن الكريم
هكذا إذن يرتكز ما أتى به الجرجاني وأمثاله ، وما عمّق بحثه علماء التجويد على هذه الأخبار المتداولة بين العامة ، والحكايا الوعظية ، فعلماء التجويد أرادوا أن يعطوا للحرف حقّه وللحركة حقّها ، للحرص على جمال القرآن الموسيقى معتمدين الدراية والرواية ، وكانت الحصيلة كتبا كثيرة في هذا الشأن ، فعند ما نقرأ في بعض الكتب وقفة مطولة على ظلال مفردة واحدة ، وتمحيصا في أنواع المدود مثلا ، نجد في كلام ابن القيم تراجعا ذوقيا ، ولا نفهم منه إن كان يريد أن هذا الأثر مضاف إلى الكتاب ، أم نابع منه ، ولم يستطع له تفسيرا ، في مقارنته بالأدب لتبرز الروعة في إثارة المشاعر والحواس . ويذكر جلال الدين السيوطي هذه الروعة ، ويدعمها بشاهد حيّ ، يقول : « وقد أسلم جماعة عند سماع آيات منه ، كما وقع لجبير بن مطعم ( - 59 ه ) » « 1 » . وهذه الرواية موجودة في بطون الكتب التي أخذت على عاتقها الحديث المفصّل عن الإعجاز البياني ، ولم تقدم تفسيرا منهجيا يعتمد على النص القرآني ذاته ، يكون دعما لهذا الشاهد التاريخي ، وهم يغفلون التذوق الذاتي عند المتلقي الذي يسمع الآيات ، فإذا كان مريضا حجبت عنه هذه الروعة وربّما كان فاجرا هذا الذي يسمع فيزداد طغيانه . فعلى هؤلاء الدارسين الانطلاق من النص القرآني ، وهو كاف لتقديم علم نفس أدبي بمعانيه وصوره ، ولا حاجة إلى ما لا يطّرد ، وعلى الرغم من توثيق رواية جبير أو غيره ، وهو شاهد على التأثر ، لم تذكر هذه الكتب دراسة بيانية للآيات التي سمعها هو ومن أسلم بعد السماع . وبعد هذا لا يداخلنا شك في غيرة هؤلاء الأعلام على هذا الكتاب
--> ( 1 ) الاتقان للسيوطي : 2 / 264 .